الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الكتاب ، قاله مجاهد . فالذين قالوا : إنّ الضمير عائد إلى المشركين ، قالوا : كان هذا في أوّل الأمر حين قلّة المسلمين ، ثم نسخ بآية سورة براءة [ 5 ] فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية . ومن قالوا الضمير عائد إلى أهل الكتاب قالوا هذا حكم باق ، والجنوح إلى السلم إمّا بإعطاء الجزية أو بالموادعة . والوجه أن يعود الضمير إلى صنفي الكفار : من مشركين وأهل الكتاب ، إذ وقع قبله ذكر الذين كفروا في قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 55 ] فالمشركون من العرب لا يقبل منهم إلّا الإسلام بعد نزول آية براءة ، فهي مخصّصة العموم الذي في ضمير جَنَحُوا أو مبيّنة إجماله ، وليست من النسخ في شيء . قال أبو بكر بن العربي : « أما من قال إنها منسوخة بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] فدعوى ، فإنّ شروط النسخ معدومة فيها كما بيّنّاه في موضعه » . وهؤلاء قد انقضى أمرهم . وأمّا المشركون من غيرهم ، والمجوس ، وأهل الكتاب ، فيجري أمر المهادنة معهم على حسب حال قوّة المسلمين ومصالحهم وأنّ الجمع بين الآيتين أولى : فإن دعوا إلى السلم قبل منهم ، إذا كان فيه مصلحة للمسلمين . قال ابن العربي : فإذا كان المسلمون في قوّة ومنعة وعدّة : فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا * وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به أو ضرّ يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه ، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه . قد صالح النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل خيبر ، ووادع الضمري ، وصالح أكيد ردومة ، وأهل نجران ، وهادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده » . أمّا ما همّ به النبي صلى اللّه عليه وسلم من مصالحة عيينة بن حصن ، ومن معه ، على أن يعطيهم نصف ثمار المدينة فذلك قد عدل عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن قال سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، في جماعة الأنصار : لا نعطيهم إلّا السيف . فهذا الأمر بقبول المهادنة من المشركين اقتضاه حال المسلمين وحاجتهم إلى استجمام أمورهم وتجديد قوتهم ، ثم نسخ ذلك ، بالأمر بقتالهم المشركين حتى يؤمنوا ، في آيات السيف . قال قتادة وعكرمة : نسخت براءة كلّ مواعدة وبقي حكم التخيير بالنسبة لمن